المقريزي
98
المقفى الكبير
فلمّا أهلّت سنة سبعمائة قدم الخبر بحركة غازان . فوقع الاهتمام بالسفر وندب الوزير شمس الدين سنقر الأعسر ، ومتولّي القاهرة ناصر الدين محمد بن ذبيان ابن الشيخي لتحصيل الأموال ، وكتب بذلك إلى بلاد الشام . وقرّر بمصر والشام على العقارات من الدور والبساتين ونحوها مال ، وفرض على الأغنياء مال ، فجبي من القاهرة ومصر والوجه القبليّ والوجه البحريّ مائة ألف دينار ، وجبي أيضا من الشام مال عظيم . واستجدّ عسكر بدمشق عدّته ثمانمائة فارس أعطي كلّ منهم ستّمائة درهم . وعرض عسكر مصر بميدان القبق تحت القلعة لمدّة عشرين يوما . وعبّئت الإقامات بطريق الشام . وخرج السلطان في يوم السبت ثالث عشر صفر وسار إلى غزّة . فقدم الخبر بعبور غازان من الفرات إلى أنطاكية وأنّ الناس قد جفلوا قدّامه وخلت بلاد حلب ، وأنّ قراسنقر نائبها تأخّر إلى حماة ، وبرز هو وكتبغا نائب حماة بظاهرها . فرحل السلطان إلى العوجاء واشتدّ البرد والأمطار حتى أقامت مدّة أحد وأربعين يوما لا تبطل . فانقطع المدد وغلا السعر حتّى أبيعت العليقة الشعير بثلاثة دراهم ، والحمل من التبن بأربعين درهما ، والخبز كلّ ثلاثة أرغفة [ 90 أ ] بدرهم ، واللحم كلّ رطل ستّة دراهم . وجاء عقيب المطر سيل جارف أتلف أكثر متاع العسكر ، وهلك عدّة من الغلمان وأربعة من الأجناد . ثمّ وقع الرحيل ، بعد هذه المدّة ، من العوجاء ، فقدم البريد بمسير غازان من جبال أنطاكية على جبال السماق إلى قرون حماة وشيزر فنهب وسبى خلقا كثيرا وساق مواشي لا تعدّ ، وتوجّه يريد دمشق . فأرسل اللّه عليه من الثلوج والأمطار ما لم ير مثله ، فوقع في عساكره وخيوله وجماله وباء شديد ، هلك فيه من جشارات « 1 » غازان خاصّة عشرة آلاف فرس وصار أكثر فرسانه رجّالة ، وعاد . ثمّ إنّ غازان بعد ذلك خاض الفرات في حادي عشر جمادى الأولى ، فسرّ الناس بذلك سرورا كثيرا . وندب الأميران بكتمر السلاحدار ، وبهاء الدين يعقوبا بألفي فارس إلى حلب لتقع سمعة ذلك في البلاد وتطمئنّ الرعايا . وعاد السلطان ببقيّة العساكر إلى مصر في سلخ ربيع الآخر . وصعد قلعة الجبل في يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى ، فاستقرّ بها إلى أن كان شهر رجب . [ حادثة اللباس المميّز للنصارى واليهود ] [ ف ] اتّفقت واقعة النصارى وألزموا بلبس العمائم الزّرق ، وألزم اليهود بلبس العمائم الصفر ، كما قد ذكر في ترجمة بيبرس الجاشنكير « 2 » . فالتزموا جميعهم ذلك ، فاستمرّ إلى اليوم من بلاد النوبة إلى الفرات . [ سفارة من غازان في الصلح ] وفي ثالث عشرين ذي القعدة قدم إلى دمشق رسل غازان في نحو عشرين فارسا . فحمل منهم كمال الدين موسى بن يونس [ الإربليّ ] قاضي الموصل في اثنين « 3 » إلى مصر ، فقدموا ليلة خامس عشر ذي الحجّة وأنزلوا بقلعة الجبل ، واجتمع الأمراء والعساكر وقت العصر من يوم الثلاثاء سادس عشره بالقلعة ، وألبست المماليك السلطانية كلفتاة زركش وأقبية بطرز زركش . وجلس السلطان بعد العشاء الآخرة ، وبين يديه ألف شمعة تشتعل ، والمماليك وقوف صفّين من
--> ( 1 ) الجشار : قطيع البقر أو الخيل . ( 2 ) مرّت برقم 1004 . ( 3 ) أي : مع اثنتين منهم ، سمّاهم المقريزي في السلوك 1 / 915 .